ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي
92
المقتطف من أزاهر الطرف
أبو عبد اللّه بن عياش « 1 » : ولما حللنا عرى السفر ، بأن حللنا حمى المهدية ، تفاءلنا بأن تكون لمن ألم بساحتها هديّة ، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين ، وأطرنا لمختلس وصالها في البحر غربان البين ، فبات بليلة نابغيّة ، وصابح يوما صافحته فيه يد البلية ، ولما اجتلينا منها عروسا قد مدّ بين يديها بساط الماء ، وتوجت بالهلال ، وفرّطت بالثريا ، ووشحت بنجوم السماء ، خطبناها فأرادت التنبيه على قدرها ، والتوفير في إغلاء مهرها ، فتمنعت تمنع المقصورات في الخيام ، وأطالت إعمال العامل في خدمتها والحسام ، إلى أن تحققت عظم موقعها في النفوس ، ورأت كثر ما ألقى عليها من نثار الرؤوس ، فجنحت إلى الأحضان بعد النشوز ، ورأت أن اللجاج في الامتناع عن قبول الاحسان لا يجوز ، فأمكنت زمامها من يد خاطبها بعد مطاولة خطبها وخطابها . أبو زيد الفازازى « 2 » : من اخوانياته إذا غاب أهل الصدق عنك فإنما * تغيب بهم عنك المسرة والأنس علم اللّه أيها الصديق الشفيق ، والأخ الذي فضله الاختبار على كل أخ شقيق ، أنى منذ طلعت الشمس ذلك اليوم الذي حان فيه غروبك عن ناظرى ، ما ولجت بشرى بسمعي ، ولا خطر سرور بخاطرى ، وما علمت قدر ما معي ، حتى جزى القدر السابق بما جرى بعدك من أدمعى ، ورجعت إلى المنزل بقلب غير راجع ، وتلقيت المنام لأسكن بطرف غير هاجع ، وكلما فتشت في فكرى لك ذنبا ، أجعله للسلو أو عيبا ، أركن به إلى الراحة والهدوء ، وقال الاختبار لا سبيل إلى ذلك ، وجعل يعرض علىّ من حسناتك ما جلا به ظلام الليل الحالك ، ولولا أنى رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب ، وعللت الروح التي راح سرها معك بقرب الإياب ، لأمسيت أثرا بعد عين ، ولكنت أحد من قتله يوم البين .
--> ( 1 ) جاء في النفح أنه كان وزيرا للمنصور بن أبي عامر وكان معاصرا لابن شهيد . أنظر النفح 1 / 180 ، والوفيات 1 / 399 . ( 2 ) كاتب المأمون بن المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن . كان شاعرا مدح المأمون بقصيدته التي أولها ( الحزم والعزم منسوبان للعرب ) إذ كان أنصار المأمون من عرب جشم . أنظر المغرب 1 / 118 .